محمد كرد علي

46

خطط الشام

الزعماء واختلافاتهم المتصلة مع الولاة في الخارج ، والوزراء والملوك في دار الملك ، فكان وضع السيف فيهم على عهد محمود الثاني ، وصدور الأمر بقتلهم في الولايات مما نفس خناق الأمة . وإن كانت العقوبة التي نزلت بهم في الشام أخف ، لأن بعضهم وفيهم الرؤساء كانوا من الأهلين ، فلما نزل ما نزل بجماعتهم غيروا ألقابهم وبدلوا طرازهم وثيابهم ، وبعد أن تخلصت الدولة والأمة منهم صعب على العثمانية في بضع سنين أن تصلح ما فسد في عشرات بل في مئات ، وهل من سبيل إلى ارتجال جيش منظم إلا إذا ساد السلام أعواما طوالا ، وانتشر العلم وتعلم القواد على الأقل ، وكيف يتأتى ذلك وطالع الدولة الحرب على الدوام لا تفتأ متنقلة من أزمة إلى أزمة ، وكانت في هذه الحقبة خرجت من حرب الوهابية في الحجاز ودخلت في حرب اليونان . ولم يخطر ببال الدولة يوم قام محمد علي في مصر أن يتدرج بعد قتل المماليك في مراتب القوة والسيادة ، حتى يقبض على زمام الأمر ( 1804 م ) وينظم قوتيه البرية والبحرية ، وينشط الزراعة والتجارة وتسمو به الهمة ، أن لا يكتفي بما يملك بل ينزع إلى التوسع في فتوحه ، لإيقانه أن الدولة وإن كانت في صدد إدخال الإصلاح على أوضاعها بفضل محمود الثاني سلطانها العاقل ، لا تستطيع أن تلحق غبار مصر التي جرت على الأصول في تنظيم جيشها وإدارتها وسلطان العثمانيين على اتساع ولاياته وكثرة خيراتها ، يتعذر عليه أن يقوم في مملكته بما قام به محمد علي في ولايته ، لأن الإصلاح في الجسم الثقيل المختلف الأمراض ، أصعب منه في جسم له مرض واحد ، إذا عولج كان أقرب إلى الصحة والاستمتاع بالسلامة . كان الغرب في هذا القرن يسير إلى الارتقاء بخطى واسعة سريعة ، والدولة العثمانية تنظر إلى هذه المظاهر باهتة ، وقلما يبدو لرجالها أن يتحدثوا في سر هذا الارتقاء وعواقبه عليهم وعلى جيرانهم ، إن لم يجاروهم في هذا المضمار . فأصبحت دولة بني عثمان لا تكفى عادية دولة من دول الغرب إلا إذا استعانت بأخرى عليها ، واستفادت من تخالفهم وتباين أغراضهم ، بعد أن كانت أيام شبابها تنال من دولها مجتمعات ومنفردات . ولكن الجيش الذي يصل إلى أسوار فينا على عجلات البقر ، ويقاتل المحاربين والمسالمين بالسيف والنشاب